عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

413

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

معهما إلى الليل ، فلما أمسينا تقدم الراهب الثاني فصلى ودعا بدعوات خفية ، ثم بحث الأرض بيده فنبع الماء كما نبع لصاحبه ، وإذا بطعام موضوع عن يمينه ، ثم قال لي تقدم وكل واشرب واعبد ربك ، فأكلنا وشربنا وتوضأنا للصلاة ، ثم غار الماء كأنه لم يكن ، فلما كانت الليلة الثالثة قالا لي يا محمدي الليلة ليلتك والنوبة نوبتك ، قال فاستحييت من قولهما وداخلني من ذلك أمر عظيم ، فقلت لهما يكون خيرا إن شاء اللّه تعالى ، ثم عدلت عنهما إلى جانب وصليت ركعتين وقلت : اللهمّ سيدي ومولاي إنك تعلم أن ذنوبي كثيرة لم تدع لي عندك جاها ولا وجها ولكن أسألك بالوجيه الكريم ذي الجاه الجسيم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أن لا تخجلنى بينهما ؛ فلما فرغت من دعائي التفت فإذا أنا بعين ماء جارية وطعام عن يميني موضوع ، فقلت لهما تقدما وكلا من فضل اللّه تعالى ، فتقدما وأكلنا وشربنا وحمدنا اللّه على كل حال ، ولم نزل على ذلك إلى أن بلغت النوبة الثانية ، فدعوت اللّه تعالى بمثل ما دعوته أولا ، فإذا أنا بالماء قد نبع والطعام قد حضر ، فلما بلغت النوبة الثالثة دعوت اللّه تعالى بمثل ما دعوت به فيما تقدم فإذا بطعام اثنين وشراب اثنين ، فانكسر فلبى فقالا لي يا محمدي من أين حدثت عليك هذه الحادثة ، أما ترى في طعامك وشرابك تقصيرا ؟ فقلت لهما : أما تعلمان أن هذا الأمر مردود إليه ، ونحن تحت حكمه ومشيئته ، وديننا ومذهبنا ، يقتضى ذلك ، أعنى عسرا ويسرا ، وشدة ورخاء ، ومنعا وعطاء ، حتى يجرّب صبرنا ، فقالا لي صدقت يا محمدي إن هذا ربّ عظيم ودين سليم مدّ يدك فنحن نشهد أن لا إله إلا اللّه ، ونشهد أن محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأن دين الإسلام حقّ وما سواه باطل ، فقلت لهما يا إخوتاه هل لكما أن نمضى إلى بعض المدن برسم الجمعة والجماعة ، فالجمعة حجّ المساكين فقالا لي ذلك رأى سديد وفعل رشيد ، فبينما نحن نسير على عزم ذلك إذ أشرفنا على عمارة وكانت ليلة مظلمة ، وإذا نحن ببيت المقدس ، فدخلناه وأقمنا به مدة طويلة نعبد اللّه تعالى ورزقنا يأتينا من حيث لا نحتسب ، إلى أن قضيا نحبهما وقدما على ربهما ، رضى اللّه تعالى عنهما . ( الحكاية الثانية والثمانون بعد الأربع مئة عن معروف الكرخي ) حكى أن معروفا الكرخي رضى اللّه تعالى عنه مرّ على شاطئ الدجلة ، فجلس ليتوضأ ،